تسويد
قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " سورة الحجرات الآية 13
قال عز وجل: " قل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِفَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ". سورة آل عمران الآية 63
شرح المفردات:
لتعارفوا: ليعرف بعضكم بعضا، عن طريق الاستفادة من خبرات ومعارف وثقافات الناس فيما بينهم.
أكرمكم: أفضلكم وأحسنكم.
أربابا: مفرد رب وهي عبادة آلهة من دون الله.
المضامين:
1. بدأ أصل الخلقة الإنسانية بالذكر والأنثى، وتكاثروا فيما بعد إلى أن أصبحوا شعوبا وقبائل كونوا أمما وحضارات، لا تفاضل ولا تمايز بينهم إلا بالتقوى.
2.ـ من أهم أسس بناء الحضارة الإنسانية توحيد الله وعدم الإشراك به.
المحور الأول :. الحضارة الإنسانية : المفهوم والمميزات
أولا : مفهوم الحضارة:
لغة؛ تأتي الحضارة بمعنى الحاضرة وهي ضد البادية، وتأتي بمعنى الحضور وهو ضد الغياب.
اصطلاحا: هي تراث (التقاليد، العادات، الثقافات، المعارف، العلوم) يعيشه الإنسان في زمن معين.
ثانيا: مفهوم الإنسانية: لغة؛ خصائص الجنس البشري التي تميزه عن البهيمية أو الحيوانية.
اصطلاحا؛ الخصائص التي يتصف بها الفرد أو الجماعة في إطار من الوعي الاجتماعي، والتي ترتقي به لتحقيق الكمال البشري.
ثالثا: المفهوم المركب (الحضارة الإنسانية):
هي ما أنتجه العقل البشري من أفكار ومعارف وسلوكات، في إطار من القيم العليا والمبادئ المثالية التي تحقق السعادة البشرية.
ميزات الحضارة الاسلامية:
الوحدانية المطلقة في العقيدة:/- أنها قامت على أساس الوحدانية ، فهي أول حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريد له في حكمه وملكه، هو وحده الذي يُعيد، وهو وحده الذي يُقصد (إياك نعبد وإياك نستعين) وهو الذي يعز ويذل، ويعطي ويمنح، وما من شيء في السموات والأرض إلا وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته.هذا السمو في فهم الوحدانية كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين، وتصحيح العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وتوجيه الأنظار إلى الله وحده وهو خالق الخلق ورب العالمين.
حضارة الإسلام حضارة عالمية وشمولية:من خصائص الحضارة الإسلامية أنها عالمية الأفق والرسالة، فالقرآن الكريم أعلن وحدة النوع الإنساني، رغم تنوع أعراقه ومنابته، ومواطنه، في قوله – تعالى - : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ][ الحجرات : 13].إن القرآن حين أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية على صعيد الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدًا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب، ...، ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد، وأمة واحدة، إلا الحضارة الإسلامية، فإنها تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب، فأبو حنيفة ومالك والشافعي، وأحمد، والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي، وابن رشد، وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم، وتباينت أوطانهم ليسوا إلا عباقرة قدمن فيهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني السليم .
مراعاة المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا وثالث خصائص حضارتنا أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها ، وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط ، ولم تجعل وسيلة لمنفعة دولة أو جماعة أو أفراد، ففي الحكم وفي العلم وفي التشريع وفي الحرب وفي السلم وفي الاقتصاد وفي الأسرة، روعيت المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا، وبلغت في ذلك شأوًا ساميًّا بعيدًا لم تبلغه حضارة في القديم والحديث، ولقد تركت الحضارة الإسلامية في ذلك آثارًا تستحق الإعجاب وتجعلها وحدها من بين الحضارات التي كفلت سعادة الإنسانية سعادة خالصة لا يشوبها شقاء.
المحور الثاني:البعد الحضاري في الإسلام وتجلياته في تاريخ المسلمين )ا
مثل العطاء الحضاري الذي قدمه المسلمون على مدار تاريخهم المجيد قمة الرقي والتقدم الحضاري الذي قد تصنعه حضارة من الحضارات، ونحن عندما نتحدث عن الحضارة الإسلامية فنحن لا نتحدث عن حضارة عادية لها مثيلات أو أشباه، إنما نتحدَّث عن "الحضارة النموذج".
عملة المسلمين :كان للمسلمين عملة خاصّة بهم، فكان جميع العرب يتعاملون بعملة النقود الخاصّة بالفرس والروم، وفي السنة الثامنة عشر من العام الهجري أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بأنّ تضرب النقود كدراهم عربية، ثمّ تطوّرت وأصبحت دنانير في عهد معاوية، وبعد ذلك تمّ إنشاء دار جديدة لصناعة النقود من قبل عبد الملك بن مروان، وبذلك أصبحت عملة المسلمين عملة جديدة ذات أوزان موحدة فضية، ثم ذهبية مع نقش عبارة (قل هو الله أحد) عليها، وبالتالي أصبحت الأمة الإسلامية مستقلة بعملتها وليست عالةً على الفرس والروم. ا
لنظام القضائي :في بداية ظهور الإسلام كان الوالي هو الذي يحكم ويقضي بين الناس، ثم بعد اتساع الدولة الإسلامية تم تعيين وتخصيص قاضٍ لكل منطقة، ثم قاضي قضاة لكل إقليم، وبذلك تطوّر القضاء ونظامه في الدولة الإسلامية.
ديوان المظالم:حيث كان الهدف الأساسي من تشكيله وقف ومنع تعدّي أصحاب النفوذ والجاه من الولاة الكبار، والأمراء، وكبار الموظفين، وكان مميّزاً بكون سلطته أعلى من سلطة القاضي، فكان صاحب المظالم محميّاً ومحاطاً بالأعوان، والشهود، والفقهاء، والكتاب لتدوين وتثبيت ما يحدث بين الخصوم. الرياضيات: العرب هم أوّل من اخترعوا لفظ (الصفر) في العصر الجاهليّ، حيث كان يُكتب على شكل حلقة، وبعد ذلك اكتشف المسلمون علامات الكسور العشرية، وألف العالم المسلم الخوارزمي كتاب الجبر، كما يعد علماء المسلمين هم مؤسّسوا الهندسة التحليليّة، وكان لهم دور كبير في التمهيد لعلم التفاضل والتكامل، ويعد كلّ من البتاني، والخوارزمي، والبيروني من أفضل وأعظم العلماء المسلمين في مجال الرياضيات. الطب لم يكتفِ العرب والمسلمين بما ترجموه من العديد من الكتب اليونانية الطبيّة، وإنّما صحّحوها وعدّلوا الكثير عليها، ويعدّ الرازي وابن سينا من أعظم العلماء المسلمين في مجال الطبّ.
الجغرافيا تطوّر علم الجغرافيا عند المسلمين من خلال الرحلات البحريّة والبرية التي جابوا بها مشارق الأرض ومغاربها، ويعتبر المقدسي، وابن جبر، والبكري، والإدريسي، وإبن بطوطة، و غيرهم من أشهر علماء الجغرافيا عند المسلمين، حيث توصّلوا إلى العديد من الحقائق الجغرافية مثل: خطوط العرض، وكروية الأرض، وغيرها.
العمارة الإسلاميّة اكتشف وأوجد المسلمون الكثير من مظاهر العمارة الإسلاميّة ومنها: المدارس، والمؤسّسات، والمساجد، وغيرها، فقد لعبت المساجد دوراً كبيراً في عملية التعليم وتطويرها ومنها: الجامع الأزهر في مصر، والجامع الأمويّ في دمشق.المحور الثالث:التحضر خصلة من خصال الإيمان وتصديق له؟
إن التحضر في ميزان الإيمان والتقوى هو: بلوغ أقصى درجة من السموالروحي والرقي الأخلاقي، وبعبارة وجيزة هوبلوغ درجة الإحسان في كل شيء؛ في العبادة وفي العمل الصالح والخلق الحسن، فالمحسنون هم الذين يجسدون قيم التقوى في أداء الحقوق والواجبات وفي كل العلاقات الاجتماعية، وبذلك فهم يمثلون أرقي صفات النوع البشري، وكما لا يخفى فإن السمو الأخلاقي أوالفعالية السلوكية، هي غاية ومصب الفعاليات الأخرى كلها؛ الفكرية والروحيةوالإنجازية، كما يستفاد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))(7) وكذا من قوله تعالى : {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}(الملك :2). فالأحسن عملا هم الأقدر على المنافسة على مراتب الإحسان التي يبلغ فيها الإنسان أرقى وأكمل مستويات تكامله النفسي، وانسجامه الاجتماعي وعطائه الحضاري، الذي تفيض خيريته على البشرية بل وعلى كل المخلوقات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جزاك الله خيرا على تعليقك.