الخميس، 9 يوليو 2026

مواضع مواقع وأماكن نوه النبي صلى الله عليه وسلم.

بعض الفضلاء في التعليقات ينكر علي الدلالة على المواضع المتعلقة بالسيرة النبوية الشريفة، وسير الصحابة رضي الله عنهم، وما يتعلق بحياتهم ووفاياتهم من أماكن، والأحداث الكبرى التي حصلت في تاريخ الإسلام.

ويستشهدون على إنكار ذلك بما قد يؤول الأمر إليه عند معرفة هذه المواضع من ممارسات غير شرعية.

وأقول وبالله التوفيق، ليست الدلالة على هذه المواضع أمر محدثا، بل هو شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهنا أسوق بعض المواضع التي نوه بها رسول الله ﷺ إما بذكر حدث وقع فيها، أو لموعظة وتذكير، أو لبيان فضل، أو غير ذلك:

1. الروحاء: وهو موضع بين المدينة وبدر، مر به رسول الله ﷺ مراراً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد مرَّ بالرَّوحاءِ سبعون نبيًّا، فيهم نبيُّ اللهِ موسى، حفاةً، عليهم العِباءُ، يَؤمُّون بيتَ اللهِ العتيقَ"، وقال ﷺ: "والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما".

2. هرشى: وهي ثنية على الطريق بين مكة والمدينة، قرب الأبواء، مر بها رسول الله ﷺ وقال لأصحابه رضي الله عنهم: "أي ثنية هذه؟"
قالوا: ثنية هرشى !
فقال رسول الله ﷺ: "كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام، على ناقة حمراء جعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خُلبة، وهو يلبي".

3. عسفان: وهي بلدة بين مكة والمدينة، مر بواديها النبي ﷺ، فقال لأبي بكر رضي الله عنه: "أي واد هذا؟"
قال: وادي عسفان!
فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد مر به هود وصالح، على بكرات حمر خُطُمها الليف، أُزُرُهُم العباء، وأرديتهم النمار، يحجون البيت العتيق".

4. وادي الازرق: وهو واد بعد قديد بين الحرمين، مر به رسول الله ﷺ مراراً، وفي حجة الوداع التفت إلى أصحابه فقال ﷺ: "أي واد هذا؟ "
فقالوا: هذا وادي الأزرق !
فقال ﷺ: "كأني أنظر إلى موسى عليه السلام، منهبطاً من الثنية، وله جؤار إلى الله بالتلبية".

 5. فج الناقة: وهو موضع بالحجر، كانت تمر منه ناقة ثمود، فعن جابر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : " لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج ، وتصدر من هذا الفج"، وما زال هذا الفج معروفا بفج الناقة.

6. بئر الناقة: وهي البئر التي كانت تردها ناقة ثمود، وقد نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش النبوي في طريق تبوك، وأمرهم أن لا يستسقوا إلا منها.

7. قبر موسى عليه السلام: مر به رسول الله ﷺ في الإسراء، ورأى موسى عليه السلام قائما يصلي في قبره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "فلو كنت ثم لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر".

8. مسجد الخيف: وهو مسجد منى الكبير، صلى فيه رسول الله ﷺ، وقال ﷺ: "صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا".

واستقصاء هذا من حياة النبي ﷺ وسيرته يطول، فقد ذكر المحصب في حجة الوداع، وذكر قرن الثعالب لما أخرج من الطائف، وذكر جبل جمدان وهو في الطريق إلى المدينة، وذكر لوفد عبدالقيس بعض حصونهم وديارهم وعيونهم.

وكل ذلك لما يقع في نفس المخاطب من التأثر عند ذكر الموضع وربطه بموعظة أو تذكير، واستثماره في إيصال رسالة معينة.

وهذا أسلوب قرآني، فقد ذكر الله تعالى في قصة موسى عليه السلام بعض المواضع بالتفصيل، فقال سبحانه: 

"فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ۞ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"

وقال تعالى في ذكر غزوة بدر: 

"إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ"

وهذا الأسلوب فيه تأثير عظيم على نفس السامع، فكيف بمن يمثل في تلك المواضع.

وقد ندب الله تعالى إلى السير في الأرض، والنظر في بدء الخلق ومصائر الأمم وعواقب المكذبين: "قل سيروا في الأرض فانظروا".

ويلفت الله سبحانه وتعالى نظر الناس إلى مواضع للعبرة فيقول سبحانه عن قرى المعذبين: "وإنها لبسبيل مقيم"، "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل"، "أفلم يكونوا يرونها".

فإذا كان الله جل وعلا يذكر مواضع في كتابه، ورسول الله ﷺ ينوه بذكر مواضع مر فيها مع أصحابه أو بمفرده ﷺ، فما المانع من تصوير المواضع والدلالة عليها للعظة والاعتبار والتذكير والتعلم والتعليم.

أما الاحتجاج بالخوف من وقوع ممارسات غير شرعية في تلك المواضع، لذلك ينهى عن الدلالة عليها سداً للذريعة، فلو كان هذا الأمر معتبراً عند الشارع لما ذكره من أصله حسماً لهذا المتخوف منه.

وقد أقام عمر بن عبدالعزيز رحمه الله المجدد الأول مساجد في المدينة على المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ والتي سجد فيها في الخندق وأحد وغيرها، ومع توافر أهل العلم من أبناء الصحابة وأحفادهم وخيار التابعين في المدينة، إلا أنه لم يؤثر عن أحد منهم نهي عن ذلك أو إنكار، وهو إمام مجتهد مجدد رحمه الله تعالى.

وقبل ذلك كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقصد إلى المواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نزل فيها فاستظل، ويسير على طريقه ﷺ ويقول رضي الله عنه: "لعلّ خُفًّا يقع على خُفّ" أي خف ناقته على خف ناقة رسول الله ﷺ.

ولم يأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهدم المساجد التي صلى فيها رسول الله ﷺ في الطريق وكذلك لم يأمر بتعميتها، وإنما نهى عن قصدها، وقال رضي الله عنه: "إذا أدركتكم الصلاة فيها فصلوا".

وقد كان الواقدي وهو من أئمة أهل السير، يسأل أبناء الأنصار في المدينة، وأبناء الصحابة، والقبائل، عن المواضع المتعلقة بسيرة النبي ﷺ فيقف عليها بنفسه، يحقق موضعها ويصفها، فكان عمدة ومرجعا في ذلك.

وقد حرص الخلفاء على معرفة المواضع النبوية إذا زاروا المدينة، فعلاوة على تجديد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، فعندما قدم عبدالملك بن مروان إليها زار المواقع التاريخية بها وكان مرشده الاحوص الانصاري، وزار معالمها هارون الرشيد وكان دليله الواقدي، وزارها أبو جعفر المنصور وكان مرشده ابن جندب الهذلي.

والموضوع طويل، وفيه تفاصيل جمعتها لنفسي، أكتفي بهذا منها، وليس من عادتي الكتابة في مواضيع جدلية، ولا فتح أبواب الجدل، ولا إثارته، وهو من أبغض الأمور إلي، وهدفي في هذه المنصة أن أنتفع وأنفع، وأتواصل مع الإخوة الفضلاء أستفيد من علمهم وفضلهم.

أسأل الله أن يهدينا ويدلنا، وينفعنا وينفع بنا، ويستعملنا ولا يستبدلنا، والحمدلله رب العالمين.

      وكتب الفقير إلى عفو ربه
سعد بن سعيد بن علي الغامدي